الهامش

سهيل اليماني تقويمُ أمّة في نجمٍ واحد

ميقاتٌ للموسم، ودليلٌ للركبان، وصورةٌ للشعر، ونافذةٌ للغريب على وطنه — سيرة نجمٍ واحد في ذاكرة الجزيرة.

فريق قريض 22 أغسطس 2026 · دقيقتان قراءة
رجلان في صحراء ليلًا، أحدهما يشير إلى سهيل ساطعًا فوق الأفق، ووهج مدينة بعيد تحته
سهيل يطلع منخفضًا عند الأفق الجنوبي.

حين يبلغ القيظ منتهاه، ويشتد لهيب الصيف على وجه الأرض، يلوح سهيل من جهة الجنوب قبيل الفجر، فتبدأ معه بشائر التحوّل؛ يبرد الليل، ويُترقّب السيل، ويحين جني التمر، ويعرف أهل البادية أن موسمًا جديدًا أخذ يطرق أبوابه.

سمّاه العرب «سهيل اليماني» لطلوعه من جهة الجنوب، ولقّبوه «البشير» لما يصحب ظهوره من انكسار الحر وتبدّل الجو، وجمعوا خبره في سجع حفظته الألسن:

«إذا طلع سهيل، برد الليل، وخيف السيل، وامتنع القيل، ولأمّ الفصيل الويل، ورفع الكيل» مثل عربي

وقالوا:

«الصيف أوله طلوع الثريا، وآخره طلوع سهيل» مثل عربي

فغدا سهيل ميقاتًا تعرف به البادية تقلّب الموسم، ويأتي طلوعه عند طرف الأفق ببشائر البراد وتحوّل الأيام.

وفي علم الفلك يُعرف سهيل باسم «كانوبس»، وهو ثاني ألمع نجوم الليل بعد الشعرى اليمانية، ويطلع منخفضًا عند الأفق، فيرتجف بريقه وتتبدّل ألوانه أمام عين الرائي.

والتقط أبو العلاء المعري هذا المشهد قبل أن تمنحه كتب الفلك تفسيره، فقال:

وسهيلٌ كوجنةِ الحبِّ في اللونِوقلبِ المحبِّ في الخفقانِأبو العلاء المعري

فجمع لون النجم واضطراب ضوئه في صورة واحدة؛ حمرة الوجنة وخفقان القلب، وكأن الشاعر نقل سهيل من صفحة السماء إلى صدر إنسان يضطرب حبًا.

ورآه البحتري دانيًا من الأفق فقال:

كأنّ سُهَيلاً شخصُ ظمآنَ جانحٍمن الليلِ في نهرٍ من الماءِ يَكرَعُالبحتري

وأخذت الركبان من سهيل جهة الطريق، فكان دليل الجنوب، تهتدي به في الفلاة وتضبط به مسيرها، كما قال راكان بن حثلين:

خلّيت نجم الجدي ورك المطيّهوأفرّق نحرها عن سهيل اليمانيراكان بن حثلين

الجدي خلف الراكب جهة الشمال، وسهيل أمامه ناحية الجنوب، وبين النجمين طريق تحفظه العين كما تحفظ اليد زمام المطية.

وامتد الاهتداء بسهيل من دروب الفلاة إلى رحلات الفضاء، فاستعانت به «مارينر 4» نجمًا مرجعيًا في رحلتها إلى المريخ، فالنجم الذي هدى الراكب بين الرمال أسهم بعد قرون في توجيه مسبار بين الكواكب.

ومن الهداية في الطريق امتد سهيل إلى معنى الديار عند الغريب، فلما أثقل المرضُ مالكَ بن الريب في خراسان، اشتاق إلى رؤيته فقال:

أقولُ لأصحابي ارفعوني فإنّهيقرّ بعينيّ أن سهيل بدا ليامالك بن الريب التميمي

فأصبح طلوعه نافذةً على الوطن، تحمل إلى الغريب طرفًا من سماء دياره.

وامتد سهيل إلى لغة الحب، فقال عمر بن أبي ربيعة حين زُوّجت الثريا من رجل اسمه سهيل:

أيها المُنكِحُ الثريا سهيلاًعمرك الله كيف يلتقيانِ؟هي شامية إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يمانيعمر بن أبي ربيعة

فجعل بُعد النجمين صورةً لتعذّر اللقاء، واستعار اتساع السماء ليبلغ به معنى المسافة بينهما.

وبقي سهيل موعدًا يعرفه أهل البادية، يترقبون طلوعه ويستبشرون بتحوّل الموسم، ويقول راشد بن سالم المنصوري:

جاك الفرج يا منتظر طلّة سهيلأيّام وتذعذع نسيم البراديراشد بن سالم المنصوري

وامتدت سيرة سهيل عبر القرون؛ ميقاتًا للموسم، ودليلًا للركبان، وصورةً للشعر، ونافذةً للغريب على وطنه، حتى اقترن طلوعه في ذاكرة أهل الجزيرة بانكسار القيظ ومقدم البراد.

هذا المقال ضمن برنامج

الهامش

نشرة أسبوعية: فكرةٌ وظاهرةٌ وقصةٌ وسؤال — «الأسبوع في معنى» بصوت كاتب.